مع تغيّر الفصل يأكل الناس أكثر ويتحركون أقل. في دراسة Ma وزملائه (European Journal of Clinical Nutrition، 2006؛ 593 شخصًا بمتابعة من 1994 إلى 1998) كان استهلاك السعرات في الخريف أعلى منه في الربيع بمقدار 86 سعرة حرارية يوميًا، مع ذروة في بداية نوفمبر، بينما هبط النشاط البدني إلى أدنى مستوياته السنوية في الشتاء. أما مدى تغيّر الوزن على مدار السنة فنحو 0.5 كيلوغرام فقط.والنعاس سببه الضوء: قِصَر النهار وطول الساعات داخل المباني يؤخّران توقّف إفراز الميلاتونين. ثلاث أدوات تعمل فعلًا — ضوء ساطع في أول ساعة بعد الاستيقاظ، وفطور غني بالبروتين، وحركة لا تُلغى.
في الخليج ومصر لا يبدأ تغيّر الفصل بغيوم ثقيلة، بل بانكسار الحر بين سبتمبر ونوفمبر: تعود الحياة إلى الخارج بعد صيف طويل قضيناه في الداخل، وتتبدّل مواعيد النوم مع بداية العام الدراسي والعمل. ومع ذلك تتكرر الشكوى نفسها كل عام — نعاس لا يزول، ورغبة مسائية في السكريات لم تكن مخططة. من المريح تسميتها كسلًا بعد الإجازة، لكن البيانات تقول شيئًا آخر: الفصل يزيح الشهية والنوم فعلًا، وإن لم يكن بالحجم الذي نتخيّله.
هل نأكل فعلًا أكثر في الخريف؟
نعم، والأمر مقيس. تابع الباحثون 593 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 20 و70 عامًا على مدى أربع سنوات، من 1994 إلى 1998، وسجّلوا الطعام والنشاط والوزن فصلًا بفصل.
ما ظهر في النتائج:
- استهلاك السعرات في الخريف أعلى منه في الربيع بمتوسط 86 سعرة حرارية يوميًا؛
- الذروة في بداية نوفمبر، وأدنى نقطة في بداية مايو؛
- النشاط البدني يبلغ أقصاه في الربيع وأدناه في الشتاء؛
- الوزن يتذبذب على مدار السنة بنحو 0.5 كيلوغرام، وذروته في الشتاء.
تأمّل الرقم الأخير جيدًا: الإزاحة الموسمية حقيقية، لكنها متواضعة. الخريف وحده لا يضيف خمسة كيلوغرامات، و86 سعرة يوميًا تعادل نصف موزة تقريبًا. المشكلة في ما يتزامن معه: هبوط النشاط وانفراط نظام اليوم. وهذان معًا يحوّلان «نصف الموزة» إلى زيادة حقيقية.
لماذا تتجه الرغبة إلى السكر والخبز تحديدًا؟
للرغبة حبكة كيميائية، وهي منطقية.
كلما قلّ الضوء الواصل إلى العين، انخفض نشاط السيروتونين — الناقل المسؤول عن الهدوء واتزان المزاج. يبحث الجسم عن طريق سريع لرفعه فيجد الكربوهيدرات: تُطلق دفعة من الإنسولين، والإنسولين يساعد التربتوفان، سليف السيروتونين، على العبور إلى الدماغ. بعد عشرين دقيقة من قطعة الحلوى تشعر بهدوء طفيف، والدماغ يحفظ الدرس.
من هنا الخلاصة العملية: رغبة هذا الموسم ليست جوعًا بل مزاجًا. ولهذا لا تُغلَق بقوة الإرادة، بينما تُغلَق جيدًا بالنوم والضوء والبروتين.
الطبقة الثانية إيقاعات سنوية في هرمونات الشهية: تصف مراجعات التغيّرات الأيضية الموسمية انخفاض الليبتين — إشارة الشبع — مع اقتراب الخريف، وارتفاع الغريلين — إشارة الجوع. عند الحيوانات تؤمّن هذه الآلية مخزونًا للشتاء، وعند الإنسان بقيت في صورة ضعيفة: خلفية، لا حكم نهائي.
من أين يأتي النعاس ونحن في بلاد الشمس؟
يحسم الأمر رقم واحد: كمية الضوء التي تدخل العين فعلًا.
الميلاتونين، هرمون النوم، يُفرَز في الظلام ويتوقف أمام الضوء الساطع. وهنا المفارقة في مناخنا: الشمس فوق رؤوسنا معظم أيام السنة، لكن أشهر الحر تدفعنا إلى الداخل — من البيت المكيّف إلى السيارة إلى المكتب أو الفصل الدراسي — فلا تكاد العين ترى ضوءًا ساطعًا لأسابيع. ويضاف إلى ذلك أن نهار الشتاء أقصر عندنا أيضًا: تغرب الشمس مبكرًا، ومن يخرج من عمله بعد المغرب لا يرى ضوء نهار حقيقيًا إلا في طريقه صباحًا. السبب ليس الغيوم كما في أوروبا، بل الجدران والمكيّف — لكن الآلية واحدة.
وإذا وقع موعد الاستيقاظ قبل الشروق، كما يحدث مع دوام مبكر في الشتاء، فالميلاتونين لا يزال يُفرَز: يحسب الدماغ أن الليل لم ينتهِ بعد، ومن هنا الإحساس بأن المنبّه رنّ في منتصف النوم.
وعادةً ما يُستهان بحجم الفارق. تُقاس شدة الإضاءة بوحدة اللوكس:
- يوم غائم في الخارج — من 1000 إلى 10000 لوكس تقريبًا؛
- مكتب أو غرفة جيدة الإضاءة — من 300 إلى 500 لوكس.
أي أن سماء غائمة في الخارج أسطع بعشرات المرات من غرفة أُشعلت مصابيحها كلها. الجسم يفرّق بين «النهار» و«الليل» بهذا الرقم تحديدًا؛ ومن زاوية شبكية العين، يوم عمل كامل داخل مبنى مكيّف ليس نهارًا، بل غسق طويل.
متى يتجاوز الأمر الخمول الموسمي؟
الفتور الموسمي أمر طبيعي. لكن له قريبًا سريريًا: الاضطراب العاطفي الموسمي، الذي وُصف حالةً مستقلة في ثمانينيات القرن الماضي. ولا يُعرَف بـ«المزاج» عمومًا، بل بمجموعة ثابتة من العلامات تظهر مع الخريف وتزول مع الربيع:
- انخفاض المزاج معظم اليوم، وفي معظم الأيام، لأكثر من أسبوعين؛
- نوم أطول من المعتاد دون شعور بالراحة؛
- رغبة واضحة في الكربوهيدرات مع زيادة في الوزن؛
- فقدان الاهتمام بما كان ممتعًا من قبل؛
- هبوط في الطاقة يعيق العمل والتواصل مع الناس.
إن كان هذا وصفك، فالمسألة ليست انضباطًا بل سببًا لزيارة الطبيب. الحالة قابلة للعلاج، والعلاج بالضوء من الطرق المعترف بها، ولا معنى لانتظار الربيع. وتزداد هذه الحالة شيوعًا كلما ابتعدنا شمالًا عن خط الاستواء، لكن صورتها الأخف — فتور ورغبة في السكريات — مألوفة عند كثيرين هنا أيضًا.
وموضوع منفصل: فيتامين D. رغم وفرة الشمس عندنا، يظل نقصه شائعًا، لأن معظم الوقت يُقضى داخل المباني ولأن الحر يبعدنا عن الشمس في ساعات ذروتها. هو ليس المسؤول وحده عن النعاس، لكنه جزء من الحالة العامة، ويستحق فحصًا إذا استمرت الشكوى.
ما الذي يساعد فعلًا؟
الأدوات مرتّبة حسب قوة الأثر.
| الأداة | ما الذي تفعله | كيف تطبّقها |
|---|---|---|
| ضوء ساطع في أول ساعة بعد الاستيقاظ | يوقف إفراز الميلاتونين ويضبط إيقاع اليوم | من 15 إلى 30 دقيقة في الخارج أو قرب نافذة، دون نظارة شمسية |
| فطور غني بالبروتين | يبقيك شبعًا حتى الغداء ويكبح الاندفاع نحو السكريات | من 25 إلى 30 غرامًا من البروتين: بيض، لبنة أو زبادي، جبن قريش، سمك |
| حركة لا تُلغى | تعوّض الهبوط الموسمي في النشاط | ليست «النادي أو لا شيء»، بل من 20 إلى 40 دقيقة مشيًا يوميًا |
| موعد استيقاظ ثابت | يثبّت الإيقاع اليومي | الوقت نفسه ± 30 دقيقة، بما في ذلك العطلات |
| خفض إضاءة المساء | لا يعيق إفراز الميلاتونين ليلًا | إضاءة دافئة وشاشات أقل في الساعة التي تسبق النوم |
| تحريك الكربوهيدرات لا حذفها | يغلق الرغبة دون انهيار | كربوهيدرات معقّدة مع العشاء بدل المنع التام |
| القهوة قبل الثانية ظهرًا | لا تسرق عمق النوم | القهوة المتأخرة تزيد ثقل الصباح التالي |
لاحظ ما ينقص القائمة: لا مكمّل واحد فيها. نعاس هذا الموسم مشكلة ضوء وجدول، وبالضوء والجدول تُحَل. وكمية البروتين التي يحتاجها فطورك تحديدًا مشروحة في كم غرامًا من البروتين تحتاج يوميًا. أما الحركة فأسهل صورها المشي: مع انكسار الحر تعود الجولة المسائية ممكنة، وهي أرخص ما يعوّض هبوط النشاط.
لماذا لا تأتي زيادة الوزن من الفصل نفسه؟
أظهرت البيانات مدى سنويًا للوزن يقارب نصف كيلوغرام، بينما يزيد الناس فعليًا أكثر من ذلك بكثير خلال الموسم البارد. والفارق لا تصنعه البيولوجيا، بل ما يدور حولها:
- عادات الصيف تبقى بعد أن يرحل الصيف. أشهر من البقاء داخل المكيّف وطلبات التوصيل تتحوّل إلى نمط ثابت؛ وحين ينكسر الحر لا تعود الخطوات من تلقاء نفسها، بل تحتاج قرارًا. وما تعنيه هذه الخطوات لمصروف الطاقة اليومي مشروح في إنفاق الطاقة اليومي؛
- التمرين يصبح «حسب الجو». حصة تُلغى لأن اليوم شديد الحرارة أو ممطر تتحول سريعًا إلى قاعدة؛
- الطعام يغيّر وظيفته. في السهرات الطويلة يصبح وسيلة للتسلية والتهدئة أكثر منه استجابة للجوع؛
- مواعيد النوم تنزلق. السهر يزيد الجوع بذاته، وبداية العام الدراسي تعيد ترتيب اليوم كله على عجل.
وإذا توقّف الميزان منذ سبتمبر و«لم يتغيّر شيء في الأكل»، فقائمة المراجعة هي نفسها المستخدمة عند ثبات الوزن: النشاط أولًا، ثم حجم الحصص.
والخبر الجيد داخل الخبر السيئ نفسه: ما دامت الزيادة تصنعها السلوكيات حول الفصل لا الفصل ذاته، فالأدوات تبقى في يدك.
أرخص تدخّل في هذا الموسم أن تخرج إلى ضوء النهار خلال أول 30 إلى 60 دقيقة بعد الاستيقاظ، ولو ربع ساعة فقط. هو ضوء يضبط الإيقاع اليومي، وخطوات تعوّض ما فقدته أشهر الحر، وبداية يوم بلا معركة مع المنبّه — في وقت واحد. ومن القائمة كلها، هذه وحدها لا تكلّف شيئًا وتُنجَز في طريقك المعتاد.
أسئلة شائعة
هل يخزّن الجسم الدهون استعدادًا للشتاء؟
جزئيًا: الإزاحات الموسمية في الليبتين والغريلين موجودة فعلًا. لكن حجمها متواضع — الفارق المقيس نحو 86 سعرة حرارية يوميًا، وتذبذب الوزن على مدار السنة نحو 0.5 كيلوغرام. وأي زيادة أكبر من ذلك مصدرها انخفاض النشاط، لا «وضع الشتاء» في الجسم.
لماذا يصعب الاستيقاظ في الشتاء رغم النوم ثماني ساعات؟
لأن الاستيقاظ يقع في العتمة والميلاتونين لا يزال يُفرَز. وما يساعد ليس «نومًا أطول»، بل ضوءًا فور الاستيقاظ وموعد استيقاظ ثابتًا.
أشعر بالجوع طوال الوقت — هل هو نقص فيتامينات؟
غالبًا لا. راجع ثلاثة أشياء أولًا: النوم، والبروتين في الفطور، وكمية ضوء النهار التي تصلك. وإن استمرت الشكوى فالتحاليل منطقية (الفيريتين وفيتامين D أولًا) — أما البدء بالمكمّلات «احتياطًا» فبداية من الطرف الخطأ.
هل تنفع مصابيح العلاج بالضوء؟
في الاضطراب العاطفي الموسمي، العلاج بالضوء طريقة معترف بها. أما الفتور الموسمي العادي فجرّب الخيار المجاني أولًا: ضوء النهار الحقيقي صباحًا أسطع من أي مصباح منزلي.
هل أخفض السعرات في الخريف كي لا يزيد وزني؟
الأعقل أن تعيد الحركة بدل أن تقصّ الطبق: هبوط النشاط الموسمي يضرب المصروف أكثر مما تضرب الشهية الموسمية الوارد.
الخلاصة
نعاس هذا الموسم والرغبة في الطعام ليسا ضعفًا في الشخصية، بل استجابة لقلة الضوء الواصل إلى العين: الميلاتونين يتأخر في التوقف، ونشاط السيروتونين ينخفض، فيطلب الجسم كربوهيدرات سريعة. لكن حجم الأثر الموسمي متواضع: 86 سعرة حرارية إضافية يوميًا مقارنة بالربيع، ونحو 0.5 كيلوغرام مدى سنويًا للوزن. أما الزيادة الحقيقية فتصنعها الأشياء المجاورة — الخطوات التي لم تعد بعد الصيف، والتمرين «حسب الجو»، ونظام النوم الذي انزلق. ولذلك فالأدوات بسيطة: ضوء في الصباح، وبروتين في الفطور، وحركة لا تُلغى، وموعد استيقاظ ثابت.
هذا المقال للمعلومات العامة ولا يغني عن استشارة الطبيب. إذا استمر انخفاض المزاج والنعاس وهبوط الطاقة أكثر من أسبوعين وأعاقت الحياة اليومية، فهذا سبب لزيارة مختص: الاضطراب العاطفي الموسمي قابل للعلاج، ولا داعي لانتظار الربيع.

